صحيفة 17يوليو/ كتب/نبيل غالب
لم يكن استهداف مليشيا الحوثي لمطار عدن الدولي استهدافاً عابراً أو مجرد رسالة عسكرية في سياق حربها المفتوحة، بل كان استهدافاً يحمل ثلاث رسائل في آن واحد، رسالة تقول بأنها قادرة على إرباك أمن الجنوب وملاحته، ورسالة أخرى للشرعية بأن لا مكان آمناً حتى في عدن، ورسالة ثالثة أكثر قسوة موجهة لآلاف اليمنيين النازحين من مدنهم المنكوبة إلى عدن، مفادها أننا سنلاحقكم حتى في ملاذكم الأخير.
ولأن عدن ليست مجرد مدينة على الخارطة، بل هي فكرة الدولة نفسها، فهي الميناء والمطار وبوابة اليمن إلى العالم، فإن سقوط مطارها يعني سقوط فكرة الدولة، وبقاءه مفتوحاً يعني بقاء الدولة حية، من هنا تأتي أهمية ما قام به وزير النقل محسن العمري ومحافظ عدن عبدالرحمن شيخ بعد ساعات قليلة من الاستهداف.
لقد اعتدنا في السنوات الأخيرة أن تدار الأزمات عبر بيانات واتساب من خارج البلاد، لكن أن ينزل وزير ومحافظ إلى مدرج المطار ورائحة البارود لا تزال حاضرة، يتفقدان الأضرار ويطمئنان على المسافرين والموظفين، فتلك شجاعة إدارية وإنسانية تحسب لهما.
نزولهما كان رداً عملياً على الصواريخ، رسالة للموظف البسيط بأننا معك، وللمسافر الخائف بأننا لن نتركك، وللمليشيا بأن صاروخكم فشل في بث الرعب وإغلاق الشريان.
أما الدلالة الأعمق فكانت في توجيههما المشترك بإيواء المسافرين العالقين في المطار، وهنا يجب أن نتوقف ونسأل من هم هؤلاء المسافرون؟ إنهم ليسوا أبناء عدن وحدهم، بل هم خلاصة وجع اليمن كله، هم من تعز التي تقصف كل يوم، ومن الحديدة التي تجوع، ومن صنعاء التي تختنق، ومن صعدة التي صودر قرارها، جاءوا إلى عدن لأن المليشيا هاجمت مدنهم وقطعت بهم السبل.
بهذا التوجيه، أعاد العمري وشيخ تعريف عدن وسكانها الطيبين البسطاء كما عرفناهم دائماً، حاضنة للجميع وأماً للمساكين، مدينة تفتح قلبها قبل أن تفتح بيوتها لكل يمني مظلوم. فبينما يدمر مشروع المليشيا المدن ويهجر أهلها بالصواريخ، يحاول مشروع الدولة في عدن أن يرمم ما يمكن ترميمه بأن يحتضن هؤلاء.
صاروخ الحوثي أراد إغلاق مطار، لكن زيارة العمري وشيخ فتحت بابين في لحظة واحدة، باب المطار أمام الملاحة الدولية، وباب عدن أمام كل أبناء الوطن، وهذا هو الفرق الجوهري بين مشروعين، مشروع يلاحق اليمني بالصاروخ حتى في ملاذه الأخير، ومشروع يحاول أن يبقي له ملاذاً آمناً اسمه عدن.
كل التحية للوزير محسن العمري والمحافظ عبدالرحمن شيخ، فقد كانا في المكان الصحيح في التوقيت الصحيح.
وستبقى عدن مدينة سلام رغم كل الصواريخ.