دعوة جنوبية واستجابة رئاسية وترحيب سعودي لمؤتمر جنوبي - جنوبي في الرياض.. انفوجرافيك"

انفوجرافيك خاص | المنتخب الوطني يحقق فوزا تاريخيا في خليجي ٢٦ والبكري يعلن مكافأة ٧٠ مليون ريال

انفوجرافيك خاص | دعم سعودي اقتصادي لليمن









كتابات وآراء


الجمعة - 28 أغسطس 2026 - الساعة 12:21 ص

كُتب بواسطة : حسين باسليم - ارشيف الكاتب


لم أكنْ أعلمُ أنَّ لجامعةِ عدن "ذاكرةً حجريَّةً" تنامُ في أحد أروقتها، حتى جاءتني دعوةٌ كريمةٌ من الأخ الدُّكتُور ماجد الطيب، أمين هذا المُتحف، لزيارته في مقره بمدينة الشَّعب بالحبيبة عدن.

ومنذ تلك اللحظة ، وحتى صباح اليوم ، وأنا أُحاورُ نفسي: كيف لمُتى تخرِّجٍ من إحدى كلياتها ، ومتابعٍ وفيٍّ لأخبارها ، أن يجهلَ وجودَ مُتحفٍ يحملُ اسمها ؟ أيُّ غيابٍ هذا الذي يجعلُنا نعيشُ جوارَ كنوزنا ولا نراها؟

تأسَّستْ جامعةُ عدن في 10 سبتمبر 1975، وكانت نواتُها "كليَّةَ التربية العليا" عامَ 1970. فظننتُ أنَّ المُتحفَ سيكونُ مِرآةً لتاريخها فحسب، يروي ستَّةَ عقودٍ من العطاءِ والألم والنمو. لكنَّ الحقيقةَ كانتْ أوسعَ... وأعمقَ.

توجَّهتُ صباحَ الخميس 27 أغسطس اليوم إلى مبنى المكتبة المركزيَّة، حيثُ يسكنُ المُتحفُ.. مبنًى أنيقٌ من ستينيَّاتِ القرن الماضي، كان يوماً مقرَّاً لوزارة خارجيَّة جنُوب اليمن ، فكأنَّه مُنذ البداية كُتبَ له أن يكونَ حارساً للذاكرة.

في المُدخل ، استقبلتْني كوكبةٌ من مسؤولات، ومُوظّفات المكتبة.. يعْملْنَ بنشاطٍ يليقُ بالحياة، يُوثقْنَ الكتبَ الجديدةَ تحتَ ضوء النَّهار المُتسلِّل من النوافذ، فالكهرباءُ غائبةٌ، والبدائلُ معدومةٌ.. لكنَّ الإرادةَ كانتْ هي المولدَ الوحيدَ الذي لم ينقطعْ.

كان لابدَّ من المُرور أوَّلاً بـ "ذاكرة جامعة عدن".. جناحٌ صغيرٌ لكنَّه فسيحٌ بالمعنى. فيه أرشيفٌ، ووثائقُ ، وماكيتات لحرم الجامعة وكليَّاتها. شرحتْه الأخواتُ الفاضلاتُ بحماسٍ تليقُ بمَن يحبُّ ، رغمَ حرارة الجو ، وغياب الضَّوء. تعجبتُ: كيف لغياب أبسط الوسائل العصريَّة كالكمبيوتر والإضاءة أن يجعلَ من "الذاكرة" نفسها مهجُورةً؟

ثمَّ صعدتُ إلى "الهدف" من الزيارة: المُتحفة، وهُنا كانتِ المُفاجأةُ التي تُربكُ الحسابات.
فهذا المُتحفُ ليس وليدَ اليوم. بل وُلد في 1998 كمُتحفٍ تعليميٍّ تابعٍ لقسم الآثار بكليَّة الآداب ، ليكونَ مُختبراً حيَّاً للطلاب ونافذةً على الموروث اليمنيّ .. أي أنَّ عمره 28 عاماً... ونحنُ عنه غافلون! مَنِ المسؤولُ عن هذا الصَّمت؟

في 2009 صدر قرارٌ رئيس جامعة عدن بإنشاء "الإدارة العامَّة لمُتحف جامعة عدن"، وافتُتح رسميَّاً في 16 يونيو 2010 بمدينة الشَّعب .

تسعُ قاعاتٍ..فيها الزَّمنُ كله.
من عصور ما قبل التاريخ، إلى حضارات سبأ وحمير ، إلى بزوغ الإسلام.
وقاعتان للموروث الشَّعبي، كأنهما صدرُ اليمن المفتوح : من المهرة إلى الحديدة، من الجوف إلى عدن.

استعرض أمينُ المُتحف د. ماجد الطيب ود.انصاف عباد مديرة الإرشاد المتحفي وطاقم المتحف تجربةَ الإحياء . تحدثوا عن جهودٍ لاستعادة الرُّوح ، وعن تحدِّياتٍ خانقةٍ : بنيةٌ تحتيةٌ مُنهكةٌ، بيئةُ عرضٍ تحتاجُ إلى عنايةٍ ، وبرامجُ تحتاجُ إلى دعمٍ؛ لتصلَ إلى النَّاس.
وناقشنا معاً كيف نحوِّل هذا المكانَ من "مخزنِ آثارٍ" إلى "مصنعِ وعي"، وكيف نربطُه بوزارة الثقافة والسِّياحة، بمشاريعَ تُعيدُ لعدن بهاءَها كعاصمةٍ للثقافة والتراث.

قالتْ إدارةُ المُتحف كلمةً ختمتْ بها اللقاءَ: هذه الزيارةُ ليستْ مُجاملةً، بل هي جسرٌ لمُؤسَّسيَّةٍ غائبةٍو، وخطوةٌ نحوَ شراكةٍ تحمي ما تبقَّى منَّا.

خرجتُ وأنا أفكرُ :
المتاحفُ ليستْ حجارةً وصفوفَ زجاج . المُتاحفُ هي الضَّميرُ.
وعندما نجهلُ متاحفَنا، فإنَّنا لا نجهلُ التاريخَ فقط ، بل نجهلُ أنفسَنا.

وجامعةُ عدن، التي أنجبتِ الأجيالَ، تستحقُّ أن يكونَ لذاكرتها مايليقُ بها. بيتٌ مُضاءٌ ، ومسمُوعٌ ، ومفتوحٌ على عالم وتقنيات المتاحف الحديثة .

*والسُّؤالُ الآنَ : مَن سيُوقظُ هذه الذاكرةَ؟*