دعوة جنوبية واستجابة رئاسية وترحيب سعودي لمؤتمر جنوبي - جنوبي في الرياض.. انفوجرافيك"

انفوجرافيك خاص | المنتخب الوطني يحقق فوزا تاريخيا في خليجي ٢٦ والبكري يعلن مكافأة ٧٠ مليون ريال

انفوجرافيك خاص | دعم سعودي اقتصادي لليمن









أراء ومقالات

الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 - الساعة 06:21 م بتوقيت اليمن ،،،

صحيفة 17يوليو/ كتب/محمد حسن المسبحي

بعض الشباب لا تقتلهم الرصاصة وحدها؛ تسبقها سنوات من البطالة، والفقر، وانسداد الأفق...!!
وقبل أن يصبح شهيدا كان هناك شاب يبحث عن وظيفة، وأب ينتظر منه دخل، وأم تخشى عليه من المستقبل، وحلم صغير يريد أن يبدأ به حياته. ثم جاءت الحرب، فوجدت فيه ما عجزت الحياة عن توفيره.
ومش كل من ذهب إلى الجبهة كان يبحث عن الموت. اغلبهم كان يبحث عن راتب، وبعضهم عن مكان يشعر فيه بقيمته، وبعضهم عن مخرج من حياة ضاقت خياراتها. شهادة بلا وظيفة، وبيت ينتظر دخلًا لا يأتي، وأسرة تتدبر يومها بصعوبة؛ ثم تنتهي الحكاية باسم في قائمة الشهداء.
لهذا وراء كل شهيد قصة لا تظهر في صورة التشييع، ولا تُروى كاملة في بيانات النعي. هناك أم فقدت ابنها، وأب كان يعوّل عليه، وزوجة انطفأ مستقبلها فجأة، وأطفال كبروا قبل أوانهم. لكن خلف هذه المأساة العائلية قصة أوسع: قصة مجتمع ضاقت فيه أبواب الحياة أمام شبابه، بينما بقي باب الحرب مفتوحا.
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب تجاهلها في بلد يعجز عن توفير فرصة عمل لشاب، لكنه يستطيع أن يجد له مكانا في الحرب.
والرواية الأسهل التي قد تسمعها إن الشباب ذهبوا إلى القتال دفاعا عن الأرض أو الدولة أو الجماعة التي ينتمون إليها، وهذا جزء من الحقيقة في كثير من الحالات. لكن الاكتفاء به لا يفسر كل شيء. فالحرب لا تجذب الشباب وحدها؛ أحيانا تدفعهم إليها ظروف الحياة حين يصبح العمل صعب، والدخل ضعيف، والمستقبل غامض فتتحول الجبهة إلى أحد الخيارات القليلة المتاحة أمام شاب لا يجد مكانا آخر يثبت فيه نفسه أو يعيل أسرته.
ولذلك فإن من يريد فهم أسباب استمرار الحروب لا يستطيع أن ينظر إلى الجبهة وحدها. عليه أن ينظر إلى ما خلفها: سوق العمل، ومستوى المعيشة، والتعليم الذي لا يقود إلى فرصة، والدولة التي تعجز عن تقديم طريق واضح إلى المستقبل.
لكن المشكلة الأعمق أن الحرب نفسها تلتهم ما تبقى من فرص. عندما تتجه الموارد إلى الجبهات بدل المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، ينكمش الاقتصاد أكثر. وعندما تتعطل الأعمال وتغلق المشاريع وتتراجع الاستثمارات، تتسع البطالة. ثم يصبح الالتحاق بالجبهات أسهل، لأن البدائل المدنية تصبح أضعف.
وهكذا تدخل المجتمعات في دائرة مغلقة: الفقر يوسع دائرة الحرب، والحرب تعمق الفقر، والفقر يجعل الخروج من الحرب أصعب.
وفي هذه الدائرة تتداخل مصالح كثيرة. هناك من يحتاج إلى المقاتلين لاستمرار نفوذه، وهناك من يجد في الحرب مصدر دخل أو سلطة، وهناك من يستخدم حاجة الشباب لتوسيع قوته العسكرية. لكن الشاب نفسه قد لا يرى كل هذه الحسابات. هو يرى راتبًا يحتاجه، أو أسرة تنتظر منه شيئًا، أو مستقبلًا مدنيًا لا يجد فيه مكانًا.
ومن هنا يصبح من الخطأ تحميل الشاب وحده مسؤولية اختيار الحرب، كما يصبح من الخطأ اختزال كل شهيد في كونه ضحية للبطالة والفقر. لكل إنسان دوافعه وقناعاته وظروفه، لكن المجتمع الذي يترك أعدادًا كبيرة من شبابه بلا عمل أو أفق يجعل خياراتهم أضيق، ويجعل الحرب أكثر قدرة على استقطاب من كان يمكن أن يكون عاملًا أو مهندسًا أو معلمًا أو صاحب مشروع.
والأشد قسوة أن كلفة هذا الفشل لا تنتهي بموت الشاب. بعده تبدأ فاتورة أخرى تدفعها الأسرة. دخل كان يعيل البيت ينقطع، وأطفال يفقدون أحد مصادر الأمان، ووالدان يواجهان الشيخوخة والوحدة، وزوجة تجد نفسها أمام مسؤوليات لم تخطط لحملها وحدها.
لهذا لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الشهداء إلى طقس موسمي يبدأ عند التشييع وينتهي بعده. احترام تضحياتهم لا يعني أن يصبح فقدان الشباب أمرًا طبيعيًا في بلد يبحث عن مستقبله.
فوراء كل شهيد شاب كان يمكن أن يكون حيا بين أهله؛ يعمل، ويتزوج، ويبني بيتا، ويصنع مستقبله. وتكريم الشهداء لا يكون فقط بالكلمات التي تُقال بعد موتهم، بل بالعمل حتى لا يجد شاب آخر نفسه مضطرًا إلى البحث عن مستقبله في مكان قد لا يعود منه.
فحين تُغلق أبواب العمل، وتضيق سبل العيش، ويصبح المستقبل مجهولًا، لا يمكن التعامل مع الحرب وكأنها وحدها تصنع المقاتلين. الحرب تستفيد من الفراغ الذي يتركه الفقر والبطالة واليأس.
المعركة الحقيقية تبدأ قبل الجبهة: حين يجد الشاب وظيفة بدل البندقية، ومستقبل وكرامةً تجعله يتمسك بالحياة. وإلا فسنظل نقرأ أسماء جديدة في قوائم الشهداء، بينما نترك الأسباب التي صنعت تلك القوائم كما هي.
فالشهيد الذي نرثيه اليوم لم يولد شهيدا..؛ كان شابا ينتظر فرصة للحياة...!!