اخبار محلية

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 11:45 م بتوقيت اليمن ،،،

صحيفة 17يوليو/ كتب/قاسم جمال

في كل مرة تلوح فيها بارقة أمل بأن تتجه بوصلة النقاش العام نحو هموم المواطنين، تعود بعض منصات التواصل الاجتماعي لتأخذنا إلى دوامة جديدة من الجدل العقيم، حتى أصبح المشهد وكأننا نعيش صراعًا لا ينتهي حول التصنيفات والولاءات، بينما تبقى القضايا التي تؤرق المواطن في آخر قائمة الاهتمام.
عدن والمناطق المحررة لا تعاني اليوم من نقص في الجدل، بل من نقص في التركيز على الأولويات.
المواطن الذي يقضي ساعات طويلة في الحر بسبب انقطاع الكهرباء، أو ينتظر وصول المياه، أو يواجه ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، لا ينتظر من الناشطين والإعلاميين أن يخوضوا معارك حول من ينتمي إلى هذا التصنيف أو ذاك. ما يهمه هو أن يجد من يحمل صوته، ويطالب بحقه، ويضع معاناته في صدارة النقاش العام.
وللأسف، أصبحنا نشاهد صفحات ومنصات تمتلك تأثيرًا واسعًا، لكنها تستهلك هذا التأثير في سجالات لا تنتهي. هذا يصف الآخر بـ"البناكسة"، وآخر يرد بـ"العرداسة"، وثالث يزيد من حدة الانقسام، حتى أصبحت هذه المصطلحات تتصدر المشهد أكثر من أخبار الكهرباء، والمياه، والصحة، والتعليم، وفرص العمل.
المشكلة ليست في اختلاف الآراء السياسية، فالاختلاف أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع. لكن الخطورة تكمن عندما تتحول هذه الاختلافات إلى معارك تستنزف المجتمع، وتصرف الأنظار عن الملفات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر.
إن عدن والمناطق المحررة تمر بمرحلة تحتاج إلى كل صوت مسؤول، وكل قلم صادق، وكل منصة إعلامية تدرك أن رسالتها الحقيقية ليست كسب النقاشات، وإنما خدمة المجتمع، وتعزيز الوعي، ومساءلة الأداء العام بموضوعية، والدفاع عن حقوق المواطنين دون تجريح أو تحريض.
ليس من الحكمة أن نمنح القضايا الثانوية مساحة أكبر من القضايا المصيرية. فكل دقيقة تُستهلك في الجدل العقيم هي دقيقة تُنتزع من حق المواطن في أن يجد من يناقش همومه الحقيقية، ويضغط من أجل تحسين واقعه.
اليوم، نحن بحاجة إلى إعادة ضبط البوصلة. بحاجة إلى أن تصبح الكهرباء قضية الجميع، والمياه قضية الجميع، والتعليم والصحة والاقتصاد والخدمات قضية الجميع. فهذه الملفات لا تعرف انتماءً سياسيًا ولا تصنيفًا اجتماعيًا، بل تمس كل بيت وكل أسرة.
لن يبني عدن والمناطق المحررة من ينتصر في سجال إلكتروني، ولن يغير واقع الناس وسمٌ يتصدر لساعات ثم يختفي. الذي يصنع الفرق هو الوعي، والكلمة المسؤولة، والنقد البنّاء، والقدرة على توجيه الرأي العام نحو ما يستحق الاهتمام.
إن المرحلة تفرض علينا أن نرتقي بخطابنا، وأن نختلف باحترام، وأن نتنافس في طرح الحلول لا في تبادل التصنيفات. فالأوطان لا تنهض عندما ينشغل أبناؤها ببعضهم، وإنما تنهض عندما يجتمعون على خدمة وطنهم والدفاع عن مصالح مواطنيه.
فلنجعل من عدن والمناطق المحررة عنوانًا يوحدنا، لا ساحةً تستنزفها الخلافات. ولتكن بوصلة الجميع متجهة نحو المواطن، فهو القضية التي تستحق أن نختلف من أجل خدمتها، لا أن نختلف عليها.