صحيفة ١٧ يوليو الإخبارية/ بقلم/ د. باسل الهارش
تعيش المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين واحدة من أصعب الأزمات المعيشية في تاريخ اليمن الحديث، حيث تتفاقم معاناة المواطنين يومًا بعد آخر نتيجة الانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار الأوضاع الإنسانية المتدهورة. وبينما يواجه ملايين اليمنيين تحديات يومية في تأمين أبسط مقومات الحياة، تظل قضية تحسين مستوى المعيشة بعيدة عن قائمة الأولويات، الأمر الذي يضاعف من حجم المعاناة ويعمق الأزمة الإنسانية.
ويأتي انقطاع أو عدم انتظام صرف رواتب مئات الآلاف من موظفي القطاع العام في مقدمة أسباب هذا التدهور، إذ فقدت آلاف الأسر مصدر دخلها الرئيس، ما أدى إلى تراجع قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء والتعليم، واتساع رقعة الفقر، وازدياد الاعتماد على المساعدات الإنسانية والتحويلات المالية من الخارج. ولم تعد آثار هذه الأزمة تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتطال مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والخدمية.
كما انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على قطاعي التعليم والصحة، اللذين يواجهان تحديات كبيرة نتيجة ضعف التمويل، وهجرة الكوادر، وتراجع مستوى الخدمات، الأمر الذي ألقى بأعباء إضافية على المواطنين، وأصبح الحصول على الخدمات الأساسية يشكل معاناة يومية لكثير من الأسر.
وفي المقابل، تشير تقارير صادرة عن منظمات دولية ومراكز بحثية إلى استمرار توجيه جزء كبير من الموارد المالية والبشرية نحو الأنشطة العسكرية والأمنية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية والتنموية للسكان. ويثير هذا الواقع تساؤلات مشروعة حول أولويات إدارة الموارد العامة، ومدى التوازن بين متطلبات الصراع وحقوق المواطنين في العيش الكريم والحصول على الخدمات الأساسية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن استمرار توجيه الموارد بعيدًا عن القطاعات الإنتاجية والخدمية يحد من فرص التعافي الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الاستثمار، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض مستويات الدخل، فضلًا عن تعميق الاختلالات المالية والنقدية التي يعاني منها الاقتصاد اليمني منذ سنوات.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أسهمت هذه السياسات في اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين وإمكانات المؤسسات على تلبيتها، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر، وزيادة تكاليف المعيشة، وتراجع جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتنامي الأعباء التي تتحملها الأسر اليمنية في ظل ظروف معيشية بالغة الصعوبة.
إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يكون الإنسان اليمني محور الاهتمام الأول، وذلك من خلال ضمان انتظام صرف رواتب الموظفين، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوجيه الموارد نحو التنمية والإعمار، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، بما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا.
وفي الختام، فإن تحقيق الاستقرار الحقيقي في اليمن لن يكون ممكنًا دون تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، وحماية الخدمات الأساسية، وتوفير بيئة اقتصادية تُمكّن المجتمع من استعادة قدرته على الإنتاج والتنمية. فالمواطن اليمني يستحق أن تُوجَّه الإمكانات المتاحة لخدمته، وأن تكون كرامته وحقه في الحياة الكريمة فوق أي اعتبارات أخرى، لأن بناء السلام يبدأ من بناء الإنسان، وصون معيشته، وتوفير مقومات الحياة الكريمة له.