الخميس - 28 مايو 2026 - الساعة 11:52 م بتوقيت اليمن ،،،
صحيفة 17يوليو/ خاص
بقلبٍ يعتصره الألم، ونفسٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، نودع اليوم جبلاً من جبال اليمن، ورمزاً من رموز صموده.. لقد رحل عن دنيانا فخامة الرئيس السابق المشير الركن عبدربه منصور هادي.
رحل الأب، والقائد، والإنسان الذي تشرفتُ بالعمل تحت قيادته في أدق وأخطر المراحل التي مرت بها بلادنا، وكنت شاهداً عن قرب على عظمة رجلٍ حمل وطناً بأكمله على كاهله حين تهاوت الأركان وتكالفت المحن.
لم يكن الرئيس هادي بالنسبة لي، ولمن عملوا معه عن كثب، مجرد مسؤولٍ سياسي تسكنه لغة المكاتب الباردة. كان ابن دثينة البار، القيل اليماني الذي لم تغيره المناصب، ولم تسلبه بروتوكولات الرئاسة عفويته وصدقه.
في كل المحافل الدولية التي رافقته فيها، واللقاءات الخاصة والمغلقة في أصعب الأوقات التي حضرتها، كنت أرى فيه تجسيداً لصلابة الإنسان اليمني وكرمه. كان يتحدث بلهجته القريبة من القلوب، وبمفردات تنبض بحب الأرض، مدافعاً عن اليمن بثقة الخبير العارف بجغرافيا وطنه وتاريخه. لم يكن متصنعاً ولا باحثاً عن استعراض سياسي، بل كان رجلاً يرى نفسه يمنياً بسيطاً، مؤتمناً على أحلام ملايين البسطاء، قائد جسد معنى عظيم للأصالة والانتماء للوطن.
استلم الرئيس هادي قيادة البلاد في لحظة انقسام مميتة، واختار أن يقف بشجاعة في وجه العواصف التي كادت أن تقتلع جذور اليمن واليمنيين. كان حلمه الأكبر ومشروعه الوطني، الذي صاغه مع أبناء شعبه في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، يتمثل في بناء اليمن الاتحادي، إيماناً منه بأن الوطن لن يتعافى من دوائر العبث والعنف والفقر والحروب والمركزية إلا بدولة اتحادية عادلة، تضمن المواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية.
وكنت شاهداً على صلابته وثباته المطلق في وجه المشروع الحوثي الكهنوتي منذ بداياته؛ فلم يساوم يوماً على عروبة اليمن، ورفض رفضاً قاطعاً أن يتحول وطنه إلى ورقة مساومة أو ساحة نفوذ للمشاريع الطائفية أو الإقليمية العابرة للحدود. لقد أدرك مبكراً أن الحفاظ على مؤسسات الدولة هو السبيل الوحيد لنجاة الشعب، فقاتل سياسياً ودبلوماسياً وقاد المعركة العسكرية بشراسة للحفاظ على هوية اليمن واعتراف العالم بشرعيته ومؤسساته.
لن ينسى التاريخ، تلك الأيام العصيبة حين فُرضت عليه الإقامة الجبرية في صنعاء. ظن الانقلابيون حينها أنهم ابتلعوا الجمهورية وأسكتوا صوتها، لكن خروجه البطولي إلى عدن، وإعلانه من هناك أن الجمهورية ما تزال حية وأن اليمن لم يسقط، كان بمثابة قبلة الحياة لشرعية الدولة وروح المقاومة لدى كل اليمنيين.
لم يكن رحمه الله عاشقاً للحروب ولا باحثاً عن الدماء، بل كان يبحث دائماً عن خيارات الحكمة وتغليب الحلول السياسية، لكنه وجد نفسه مجبراً على اتخاذ القرارات الصعبة لخوض معركة استعادة الدولة وحماية شعبه من تغول الميليشيات.
أتذكر اليوم، وكل يوم، بملء الفخر والاعتزاز، تلك اللحظات التاريخية الخالدة عند تحرير عاصمتنا المؤقتة عدن؛ ففي أولى دقائق تطهير مطار عدن الدولي من دنس ميليشيا الانقلابيين، وصلني اتصال وجاءني صوته منساباً عبر الخط، مهنئاً ومباركاً وداعماً. لم يكن اتصالاً عابراً، بل إمتداد لإشرافه المباشر، فقد كان رحمه الله يقود المعركة بكل تفاصيلها وجزئياتها، لحظة بلحظة، ويوجه الخطوات بثبات القائد وعزم الحريص المناضل. تلك اللحظة جسدت لي تماماً كيف كان يجمع بين حكمة رجل الدولة وعنفوان القائد العسكري.
يقاس رجال الدولة المناضلين الشجعان في لحظات التجرد وإنكار الذات، لا في التمسك بالمكاسب والمناصب. ففي عام 2022، ضرب الرئيس هادي أروع الأمثلة في تغليب المصلحة الوطنية العليا حين قرر تسليم السلطة طواعية لمجلس القيادة الرئاسي. اتخذ ذلك القرار الشجاع عن قناعة راسخة، واضعاً توحيد الصف الوطني واستعادة مؤسسات الدولة فوق كل اعتبار، ليثبت للعالم أجمع أن معركته لم تكن يوماً معركة سلطة، بل معركة بقاء واسترداد لكرامة اليمن واليمنيين.
اليوم، نودع ركنا ورقما صعبا من تاريخ اليمن الحديث، وصفحات كُتبت بالدم والنضال والدموع والصبر الطويل. لقد عاش عبدربه منصور هادي يمنياً مخلصاً، ومات ويده قابضة على جمر الجمهورية، ثابتاً على المبادئ التي آمن بها وناضل من أجلها حتى آخر لحظة من حياته.
أتقدم بصادق العزاء وعظيم المواساة للعم ناصر منصور هادي وللاخوة الأعزاء جلال والعميد ناصر وياسر وكافة أفراد أسرته الكريمة، وللشعب اليمني العظيم في هذا المصاب الجلل.
نم قرير العين يا فخامة الرئيس، فقد أديت الأمانة بكل جهد، وبلغت الرسالة بكل إخلاص، وكنت حارساً أميناً للجمهورية في أشد لحظاتها قسوة. نسأل الله العلي القدير أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يجزيك عن اليمن واليمنيين خير الجزاء، وأن يسكنك فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
نايف صالح البكري
وزير الشباب والرياضة
عضو هيئة التشاور والمصالحة
رئيس مجلس قيادة المقاومة- عدن