صحيفة 17يوليو/ كتب/ صدّيق الطيار
في سياق يتسم بتعقيدات أمنية وعسكرية متراكمة، وتحديات وطنية تتصدرها معركة استعادة الدولة من قبضة مليشيات الحوثي الانقلابية، يأتي قرار تعيين اللواء حمدي شكري الصبيحي قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة، بوصفه خطوة تتجاوز البعد الإداري التقليدي، لتلامس جوهر التحول المطلوب داخل بنية المؤسسة العسكرية، وتعيد طرح سؤال الكفاءة والجاهزية والإخلاص في واحدة من أكثر المراحل حساسية.
هذا التعيين لا يمكن فصله عن الحاجة الملحة لإعادة بناء القوات المسلحة على أسس مهنية صارمة، قادرة على مجابهة التهديدات المركبة التي تواجه البلاد، سواء على مستوى الانفلاتات الأمنية، أو شبكات التهريب، أو التحديات المرتبطة بإعادة فرض هيبة الدولة. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى اختيار حمدي شكري باعتباره خطوة مهمة وتاريخية لوضع "الرجل المناسب في الموقع المناسب"، في لحظة تتطلب قيادة ميدانية ذات خبرة، وحضور عملي، وقدرة على اتخاذ القرار في بيئة شديدة التعقيد.
يمتلك القائد حمدي شكري الصبيحي سجلاً عسكرياً وأمنياً يمتد عبر سنوات من العمل الميداني، ما أكسبه خبرة تراكمية في التعامل مع ملفات شديدة الحساسية. وقد برز خلال مراحل سابقة كأحد القيادات التي واجهت تحديات مباشرة في مناطق تشهد اضطرابات أمنية، حيث تداخلت فيها عوامل الفوضى مع محاولات تقويض مؤسسات الدولة، وتنامي أنشطة خارجة عن القانون.
وخلال الفترة الماضية، ظهرت بصمات القائد الحمدي بشكل واضح في عدد من الملفات الأمنية المعقدة، في مقدمتها مكافحة تهريب السلاح والمخدرات، والحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وهي قضايا لم تكن مجرد تحديات أمنية عابرة، بل تمثل تهديداً مباشراً للبنية المجتمعية والاستقرار العام. وقد نجح في تفكيك الكثير من شبكات التهريب، وضبط شحنات غير قانونية، وملاحقة المتورطين فيها حتى تقديمهم للعدالة، في مقاربة أمنية تقوم على الاستهداف المباشر لمصادر الخطر لا الاكتفاء بنتائجه.
إلى جانب ذلك، شكل ملف إنهاء المظاهر المسلحة، والقضاء على ظاهرة الثأر القبلي، واستعادة الأمن والاستقرار والسلام والوئام وتقوية النسيج الاجتماعي في مناطق الصبيحة، نقطة تحول لافتة في تجربة القائد حمدي شكري الميدانية، إذ ساهمت تلك الحملة الأمنية الواسعة التي يقودها منذ العام 2023 في إعادة الاعتبار لسلطة القانون، وتقليص مظاهر الفوضى المسلحة، بما انعكس على تعزيز الأمن المجتمعي واستعادة قدر من الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية. وهي نتائج تتجاوز الطابع الأمني المباشر، لتلامس البعد السياسي والاجتماعي لمفهوم الاستقرار.
إن تعيين اللواء حمدي شكري في قيادة المنطقة العسكرية الرابعة يحمل في طياته رسالة سياسية وعسكرية واضحة، مفادها أن المرحلة القادمة تتجه نحو ترسيخ مبدأ الكفاءة والخبرة كمعيار حاسم في تولي المواقع القيادية، بعيداً عن الحسابات الثانوية التي أضعفت فاعلية المؤسسة العسكرية في مراحل سابقة. كما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتفعيل دورها الوطني في حماية الدولة واستعادة حضورها على الأرض.
وفي هذا السياق، تعقد الأوساط العسكرية والشعبية آمالاً كبيرة على هذا التعيين، باعتباره اختباراً عملياً لإمكانية إحداث نقلة نوعية في أداء المنطقة العسكرية الرابعة، من حيث رفع مستوى الجاهزية القتالية، وتعزيز الانضباط المؤسسي، وتفعيل منظومة القيادة والسيطرة، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الراهنة.
حقيقة، لقد جاء تعيين القائد حمدي شكري الصبيحي لقيادة المنطقة العسكرية الرابعة في لحظة فارقة، يستند إلى رصيد من التجربة والإنجاز، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الحزم والانضباط وإعادة بناء الثقة بالمؤسسة العسكرية، في سياق معركة أوسع لاستعادة الدولة وإعادة ترتيب موازين القوة على الأرض.