صحيفة ١٧ يوليو الإخبارية/ خاص
قال رئيس مجلس الوزراء السابق أحمد عوض بن مبارك، إنه بعد أن هدأت المدافع نسبياً وخفّت أصوات التطرف التي غالباً ما تغذّي التمترس والاستقطاب الحاد، يتقدّم في كل منعطف يمر به اليمن سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في عمقه سؤال إشكالي: أين تقف مما يحدث؟ هل تقرّ ما جرى أم ترفضه؟
وأكد بن مبارك في مقالٍ له نُشر في صحيفة الشرق الأوسط، أن الحياة مواقف، لا سيما في المحطات الوطنية الكبرى، مشيراً إلى أنه كان وسيظل مع مشروع اليمن الاتحادي الكبير، غير أن وضوح الموقف لا يعني القبول بمنطق السؤال ذاته، لأن هذا السؤال لا يُراد به الفهم بقدر ما يُراد به الاصطفاف، ولا يُطلب منه فتح أفق بقدر ما يُراد له إغلاق النقاش.
وأوضح أن الإجابة عن هذا السؤال، أياً كانت، لن تغيّر من الوقائع شيئاً، لافتاً إلى أن السؤال الأخطر الذي ينبغي مواجهته هو: لماذا وصلنا إلى هنا أصلاً؟ وما الذي جعل هذا المسار ممكناً، بل متوقعاً؟
وأشار إلى أن ما يجري اليوم في اليمن ليس انحرافاً عن مسار سليم، بل نتيجة منطقية لمقدمات خاطئة تراكمت طويلاً، من بينها الفشل في بناء دولة جامعة، والعجز عن إدارة التنوع، وتغليب الأجندات الخارجية، وتفضيل منطق الغلبة على منطق العقد والتوافق، مؤكداً أن من لا يقرّ بهذه المقدمات لا يمكنه أخلاقياً أن يقرّ نتائجها.
وبيّن أن المشكلة في اليمن لم تكن يوماً في وجود التنوع، بل في تحويله من معطى تاريخي إلى عبء سياسي، موضحاً أن اليمن كان مجتمعاً متعدد الأقاليم وغنياً بالأعراف والنظم المحلية، وقائماً على توازنات دقيقة بين المركز والأطراف، ولم يكن مجتمع هويات متصارعة بل مجتمعاً واحداً بتنوع قابل للإدارة حين وُجد الإطار السياسي المناسب.
ولفت إلى أن كل لحظات الاستقرار النسبي في التاريخ اليمني اقترنت بتخفيف منطق الغلبة وتوسيع دوائر الشراكة، فيما اقترنت لحظات الانهيار بادعاء الحق المطلق واحتكار التمثيل وفرض الأمر الواقع بالقوة، مؤكداً أن ذلك نمط متكرر في التاريخ اليمني.
وأوضح أن الخلل بدأ حين جرى تجميد التنوع داخل إطار هوية جامعة بدل إدارته، وحين تحولت الهوية من إطار انتماء إلى أداة فرز سياسي وسلاح صراع، لافتاً إلى أن السؤال لم يعد: من نحن؟ بل: من معنا ومن ضدنا؟ وهو ما حوّل الهوية إلى أداة صراع.
وأكد أن الفساد كان حاضراً بوصفه نمط حكم وليس انحرافاً عارضاً، حيث جرى توظيف القضايا الوطنية الكبرى غطاءً لمصالح خاصة وتراكم نفوذ لصالح شبكات ضيقة، مشيراً إلى أن الفساد لم يكن مجرد اختلاس موارد، بل إفساداً للمعنى العام حين تتحول الدولة إلى غنيمة، والوظيفة العامة إلى ملكية، والقضية الوطنية إلى استثمار.
وأوضح أن الفيدرالية ليست أصل الأزمة ولا حلها السحري، فهي جزء من التجربة اليمنية، لكنها لا تكون نعمة إلا ضمن دولة حديثة عادلة، مؤكداً أن المشكلة ليست في الشكل بل في مضمون الدولة، وأن اللامركزية في غياب الدولة تتحول إلى فوضى، والوحدة في غياب العدالة تتحول إلى قسر.
وأشار إلى أن القبيلة مكوّن اجتماعي عميق الجذور أدّى أدوار حماية وتنظيم، لكن القبلية بوصفها منطق حكم كانت دائماً طريقاً مسدوداً، وأسهم الخلط بين الواقع الاجتماعي وأداة السلطة في تآكل فكرة المواطنة واستبدال القانون بولاءات أولية.
وتطرق بن مبارك إلى تجربة مؤتمر الحوار الوطني، مؤكداً أنه لا يمكن التعامل معها بخفة، وأن قيمتها لم تكن في تقديم حلول نهائية، بل في كسر احتكار القوة للسؤال السياسي وفتح أفق التفكير على بدائل غير قائمة على الغلبة، مشيراً إلى أن الخطأ لم يكن في الحوار بل في تعطيله بالقوة أو تقديس مخرجاته من دون تطوير.
وفي هذا السياق، أشار إلى استجابة المملكة العربية السعودية الشقيقة لدعوة شخصيات ومكونات جنوبية لعقد مؤتمر جامع يناقش القضية الجنوبية بأبعادها التاريخية والاجتماعية والسياسية، معتبراً ذلك فرصة جدية لاختبار الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق السياسة، وفتح مساحة سياسية منظّمة لمعالجة قضية مؤجلة ضمن إطار حوار لا يقوم على الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.
وأكد أن منطق الغلبة كان الخيط المشترك في معظم لحظات الهدم في تاريخ اليمن، وأن الدولة التي تُبنى بالقوة تُهدم بالقوة، والمجتمع الذي يُدار بالإقصاء لا يُنتج إلا صراعاً مؤجلاً، مشيراً إلى أن اليمن ليس معزولاً عن العالم ولا عن تحوّلاته، ولا يليق به أن يُدار بمنطق الغنيمة أو الانتقام أو تصفية الحسابات.
وختم بن مبارك بالقول إن السؤال الجوهري يبقى: كيف نبني دولة عادلة تتسع لتنوع كل اليمنيين وتنهي هذه الحلقة المفرغة من الغلبة والانقسام؟ مؤكداً أن الخروج من المأزق لن يكون بالشعارات أو الاصطفافات السهلة، بل بالشجاعة الأخلاقية والفكرية لمواجهة الأسئلة الصعبة، وأن الفرصة ما زالت قائمة، لكن الخطر الحقيقي هو إضاعتها مرة أخرى.