صحيفة ١٧ يوليو الإخبارية/ أنس عوض
في صباح وفائي امتزج فيه الحزن بالفخر، احتضنت العاصمة عدن اليوم الخميس 30 يوليو 2026م حفل تأبين الأديب والكاتب الصحفي والمسرحي الكبير سعيد علي عولقي، برعاية معالي وزير الدولة محافظ العاصمة عدن الأستاذ عبدالرحمن شيخ.
وجاءت الفعالية التي أقيمت بمقر مكتب الثقافة في مسرح الفقيد رائد طه - المعلا - حافون بحضور نخبة من المسؤولين والمثقفين والأدباء والإعلاميين والفنانين وأسرة الفقيد، يتقدمهم وكيل العاصمة عدن لشؤون الاعلام رئيس لجنة التأبين الأستاذ محمد سعيد سالم، لتؤكد أن الإبداع الصادق لا يموت برحيل صاحبه، بل يتحول إلى ذاكرة جمعية وإرث يتوارثه الأجيال.
سعيد عولقي.. صوت الثقافة :
سعيد عولقي أديب يمني جنوبي، شكل حضوره علامة فارقة في الحركة الثقافية بعدن لعقود ، وجمع في مسيرته بين الصحافة والرواية والقصة والمسرح، وكان قلمه الساخر مرتبطاً دائماً بالواقع الاجتماعي والسياسي.
لم يكتب سعيد عولقي من خارج الناس، بل كان صوتهم. سعى في أعماله إلى التعبير عن معاناة الإنسان العادي، ورصد تحولات المجتمع اليمني في مراحله المختلفة، وفي كتاباته السردية برزت قدرته على رسم الشخصيات والبيئات المحلية بدقة، مع التفات عميق إلى القيم الاجتماعية والصراعات الإنسانية.
كما كان للفقيد دور بارز في الصحافة الثقافية، حيث ساهم بمقالاته وتحليلاته في عدد من المنابر، مدافعاً عن قضايا الثقافة والحرية والتعبير، ومؤمناً بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة.
المسرح منبراً لا ترفاً :
يُعد سعيد عولقي من المؤسسين الحقيقيين للمسرح اليمني الحديث، ولم ينظر إلى المسرح كوسيلة للتسلية وكسب المال والمآرب الشخصية الخاصة ، بل كان ينظر إليه كأداة نقد وتغيير ومنبر لطرح قضايا وهموم الناس .
وتناولت نصوصه المسرحية موضوعات جوهرية لامست وجدان الجمهور ومن أبرزها الصراع الطبقي، وسلطة العادات والتقاليد، والتفاوت الاجتماعي، والتحولات السياسية المتسارعة، وأزمة الفرد داخل النسيج المجتمعي .
واتسمت كتاباته المسرحية بسمات جعلتها قريبة من الناس ومؤثرة ومن أبرز تلك السمات الواقعية في عرض الأحداث المستمدة من البيئة اليمنية، والحوار الحي القريب من اللهجة المحلية، والنقد الاجتماعي اللاذع الممزوج بالسخرية الذكية، والتركيز على الصراعات الداخلية للإنسان، وبناء درامي متدرج قائم على التوتر والصراع.
"التركة".. كلاسيكية الجنوب الخالدة
وتبقى مسرحية "التركة" بجزأيها أهم ما قدمه عولقي، وأكثر الأعمال المسرحية الجنوبية حضوراً في الذاكرة.
ومن خلال شخصيات العمل، قدم عولقي مرآة عكست صراعات النخبة وتأثيرها المباشر على حياة الطبقة العاملة والمواطن البسيط.
وتحسب لـ "التركة" أنها من أوائل التجارب التي نجحت في المزج بين الموروث المحلي والحكاية الشعبية وبين تقنيات المسرح الحديث ، وهذا المزج منحها أصالة وجعلها مرجعاً مهماً للحركات الفنية التي تلتها.
ولم تكن "التركة" مجرد عمل فني، بل تحولت إلى وثيقة تاريخية حية رصدت التحولات السياسية والاجتماعية لعقود ، وتتجاوز دلالة "التركة" المعنى المادي. فهي تشير إلى "تركة العادات" المتجذرة، و"تركة الماضي" بتعقيداته، و"الإرث الثقافي" الذي يثقل كاهل الشخصيات ويحدد مصائرها.
عدن تفي بوعد الوفاء :
وفي الحفل التأبيني الذي أفتتحه وكيل العاصمة عدن الأستاذ محمد سعيد سالم، شاكراً رعاية المحافظ شيخ، وبدأ بآيات من الذكر الحكيم، و كلمة الدكتور حيدرة محسن القاضي كلمة راعي الحفل نيابة عن المحافظ عبدالرحمن شيخ.
وأكد أن الفقيد يمثل أحد أبرز أعلام الثقافة والإبداع في عدن واليمن، وأن ما تركه من إرث أدبي وصحفي ومسرحي سيظل حياً في وجدان الأجيال.
وشدد على أهمية توثيق أعمال المبدعين وصون منجزاتهم، باعتبار أن الوفاء لهم هو وفاء لهوية عدن الثقافية وتاريخها، مضيفاً أن الإبداع الصادق يبقى حاضراً في ذاكرة الشعوب.
ومن جانبها، رحبت مدير عام مكتب الثقافة الأستاذة سميرة مشجري بالحاضرين، مؤكدة أن سعيد عولقي كان أحد أهم رموز الثقافة العدنية، وأن المكتب سيظل حاضناً للمبدعين ومرجعية للمثقفين.
واستعرض وزير الثقافة السابق الدكتور عبدالله عوبل جوانب من سيرة الفقيد، مشيراً إلى أن كتاباته ولا سيما "التركة" فتحت آفاقاً واسعة للنقد الاجتماعي والسياسي بلغة بسيطة قريبة من الناس، ودعا قيادة المحافظة إلى تخليد اسم الراحل بإطلاقه على أحد الصروح الثقافية في عدن.
كما ألقى رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الجنوبيين الأستاذ مبارك سالمين كلمة أشاد فيها بالإرث الإنساني للفقيد، وتطرق إلى أعماله ومنها "السمار الثلاثة" وإلى توظيفه المميز للهجة البدوية في "التركة"، داعياً إلى مواصلة تكريم المبدعين أحياء وأمواتاً.
وألقت الدكتورة سماح عولقي كلمة الأسرة، أكدت فيها أن والدها كان مدرسة في الفكر والأخلاق، عرفته الناس أديباً ومسرحياً، وعرفته أسرته أباً حنوناً غرس قيم الصدق، وقالت إنه لم يسع للشهرة بل آمن بأن الكلمة تصنع الوعي، وظل شاباً في روحه حتى آخر أيامه.
وتخلل الحفل عرض فيلم وثائقي استعرض محطات حياة الراحل وأعماله، كما دشنت اللجنة التحضيرية كتاباً توثيقياً بعنوان "حكاية إبداع لا يندثر" شارك في إعداده نخبة من الباحثين والكتاب ، واختتم الحفل بتكريم أسرة الفقيد بدرع الوفاء المقدم من محافظ عدن.
خاتمة : برحيل سعيد عولقي خسرت اليمن قلماً مسرحياً وصحفياً آمن بأن الثقافة مقاومة، وأن الفن ذاكرة، لكنه ترك لنا "تركة" حقيقية: نصوصاً وأسئلة ووعياً سيظل حياً في مسارح عدن وفي ضمير كل من آمن بأن الكلمة يمكن أن تغير الواقع.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
"إنا لله وإنا إليه راجعون"