صحيفة 17يوليو/ كتب/د. محمد علوي امزربة
يمثل تاريخ 27 رمضان في الذاكرة الوطنية اليمنية أكثر من مجرد ذكرى عابرة؛ إنه يوم الانبعاث لمدينة عدن، وإعلان انكسار المشروع الكهنوتي على أسوارها. وفي صلب هذه الملحمة الخالدة، يبرز ميناء عدن كبطل محوري لم يكتفِ بدوره الاقتصادي، بل كان القلب النابض الذي ضخ دماء الحياة في عروق المدينة والمقاومة على حد سواء. لقد ساهم الميناء بفاعلية في دعم المقاومة للصمود وتحقيق النصر، متحولاً ببحارته الشجعان، وعماله المخلصين، وقطعه البحرية، من منشأة مدنية إلى قاعدة عمليات عسكرية ولوجستية متكاملة، وجبهة قتال متقدمة ساهمت في دعم المقاومة لتحقيق النصر، وتأمين "رئة" التنفس الوحيدة لمدينة خنقها الحصار البري من كل اتجاه.
هندسة النصر: 45 يوماً من الصمود والجسور البحرية
لم يكن الميناء خلال الحرب مرفقاً خدمياً فحسب، بل كان "الظهير العسكري" والعمق الاستراتيجي الذي استندت إليه المقاومة. لقد أدركنا في إدارة الميناء منذ اللحظة الأولى أن بقاء الميناء فاعلاً يعني بقاء عدن صامدة، لذا سخرنا كل الإمكانيات الفنية والبشرية لتكون تحت تصرف القيادة الميدانية.
• يوم سقوط التواهي والوصية الخالدة: في لحظات فارقة يمتزج فيها شعور المسؤولية بروح التضحية، جرى تنسيق مباشر وحاسم عكس حجم الثقة المطلقة بين القيادة العسكرية والميدانية وإدارة الميناء؛ حيث ساهم الميناء بفاعلية في دعم المقاومة بقيادة اللواء الشهيد علي ناصر هادي والقائد أنيس العولي. وأستذكر هنا بكل فخر، أن الشهيد اللواء علي ناصر هادي اتصل بي عبر هاتف الأخ نشوان العوذلي، وكان هذا هو آخر اتصال بيني وبين الشهيد، وتحديداً في يوم سقوط التواهي، وقبل ارتقائه شهيداً بنحو 24 ساعة فقط. في ذلك الاتصال، طلب الشهيد بصفة عاجلة توفير رافعة (كرين) تابعة للميناء لنقل وتركيب "صبيات" خرسانية ضخمة لتستخدم كحواجز دفاعية لسد مداخل التواهي ومنع توغل آليات المليشيات. ورغم عرض فرصة الانسحاب عليه نظراً لخطورة موقعه وتطويق القوات الغازية للمنطقة، إلا أنه رفض بإباء شامخ، مصراً على الثبات في خط النار الأول حتى نال الشهادة مقبلاً غير مدبر.
• ملحمة "الإجلاء الكبرى" وفداء دكة الـ T: في السادس من مايو 2015، تحول الميناء بقطعه البحرية إلى وسيلة الإنقاذ الوحيدة للمدنيين. وفي جريمة حرب بشعة، قصفت المليشيات الحوثية (دكة الـ T) بالدائرة البحرية، مستهدفة بشكل مباشر مئات العائلات والنازحين الذين كانوا ينتظرون قوارب النجاة. ورغم هول الموقف، لم يتراجع بحارة الميناء، بل استمروا في عمليات الإجلاء البطولية، مسخرين الزوارق واللانشات لنقل الآلاف من العائلات من ساحل التواهي إلى البريقة عبر البحر، في واحدة من أنبل ملاحم الفداء الإنساني.
• شريان الحياة تحت الحصار المطبق: سطر الميناء ملحمة إنسانية نادرة خلال فترة حصار التواهي الذي امتد لـ 45 يوماً. ففي وقت انقطعت فيه السبل البرية تماماً، سخرت إدارة الميناء "التيجان" (القاطرات البحرية) لنقل الغذاء والدقيق والغاز والمساعدات الطبية من البريقة إلى المناطق المحاصرة، لتأمين وصول الإمدادات الضرورية لتعزيز صمود الناس في بيوتهم.
• إمداد الجبهات والمستشفيات: قامت الإدارة بدعم المستشفيات والمراكز الطبية في مديرية التواهي بمادة الديزل لضمان استمرار عمل غرف العمليات لإنقاذ الجرحى. وفي المنصورة، جرى دعم المقاومة بقيادة الشهيد الإدريسي بصهاريج الوقود لتعزيز حركة الآليات العسكرية. كما نفذ بحارة الميناء عمليات نوعية تمثلت في نقل دبابتين وآليات ثقيلة عبر البحر من البريقة للتواهي لتعزيز جبهات القتال، في تنسيق فني وعسكري عكس تكامل الأدوار.
شجاعة فنية: الميناء كورشة صمود
في مشهد عكس الانضباط المهني العالي، أدار عمال الميناء عمليات إجلاء معقدة لرعايا دول وجاليات أجنبية بسلام تام. وعلى الصعيد الداخلي، فتح العمال الورش الفنية لصيانة أسلحة المقاومة، من مدافع ومدرعات، وإعادتها فوراً إلى المواقع الدفاعية، محولين خبرتهم المهنية إلى قوة إسناد حقيقية رغم انقطاع الكهرباء وشح الإمكانيات؛ حيث كان المدفع الـ 23 الذي خضع للصيانة و تركته المقاومه في ورشنا في التواهي شاهداً على هذا الدور التقني الحاسم.
حراس البوابة الاقتصادية: ملحمة الولاء والصمود في "كالتكس"
في محطة حاويات ميناء عدن كالتكس بالمنطقة الشمالية، سطر الاداره و العمال وموظفو الميناء ملحمة تاريخية في النزاهة والشجاعة المهنية تفوق الوصف. فبينما كانت نيران الحرب تلتهم كل شيء، وقف هؤلاء الرجال كحراس لا يغفلون، متحولين إلى دروع بشرية لحماية أصول الميناء السيادية وحاويات التجار التي كانت تضم المخزون الغذائي والدوائي الاستراتيجي للمدينة.
لقد كانت المنطقة تحت المرمى المباشر لنيران قناصة المليشيات، إلا أن العمال رفضوا مغادرة مواقعهم، معتبرين أن الحفاظ على لقمة عيش المواطن وأمانات التجار جزء لا يتجزأ من معركة الكرامة. وضرب هؤلاء الأبطال أمثالاً صارخة في عفة النفس والإخلاص؛ فلم تمتد يد العبث إلى حاوية واحدة رغم حالة الفوضى، بل والمفخرة الأعظم أنهم عملوا بتفانٍ على تسهيل وتسليم الحاويات للتجار دون مقابل، لتأمين وصول المواد الأساسية والغذائية للسوق وتعزيز صمود المدينة، ضاربين عرض الحائط بكل الإجراءات البيروقراطية أو المكاسب المادية في سبيل مصلحة المواطنين. وتجسدت أنبل صور التضحية والفداء في قصة الشهيد البطل "دنبع"، ذلك العامل الوفي الذي ارتقى شهيداً في ساحة المحطة وهو يؤدي واجبه، ليروي بدمه الطاهر تراب الميناء، ويتحول إلى رمز للنزاهة التي لم تنكسر أمام آلة القتل.
عبقرية الاستباق وعملية "الغدير" الفدائية
في خطوة استراتيجية استباقية جسدت أعلى درجات الحرص على أصول الدولة، قام العمال والملاحون بعملية فدائية وتحت ضغط القصف العنيف الذي استهدفت فيه المليشيات مصافي عدن وميناء الزيت، بسحب "التيجان" والقطع البحرية من مواقعها ونقلها فوراً من ميناء الزيت إلى ساحل الغدير لحمايتها من القصف والدمار. كان الهدف حرمان العدو من فرصة تدمير أو استخدام هذه المعدات الحيوية وضمان الحفاظ عليها كأدوات لبناء مستقبل المدينة.
وبفضل هذه اليقظة والشجاعة، وعندما حانت ساعة الصفر وأُعلن التحرير في 27 رمضان، كانت تلك التيجان التي حُميت في الغدير هي من استقبلت أول باخرة إغاثة (درب الخير) التابعة لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ليبدأ الميناء نشاطه في خدمة المواطنين منذ اللحظات الأولى للانتصار.
وقفة وفاء واعتذار
إنني وفي غمرة استحضار هذه البطولات، أجد لزاماً عليّ أن أقدم اعتذاراً شديداً لكل بطل من أبطال الميناء والمقاومة ممن لم يتسع المقال لذكر أسمائهم. إن سرد بعض المواقف والأسماء لا يعني حصراً للبطولة فيهم، بل هم رموز لآلاف المخلصين من عمال الميناء، سؤ مدراء و مرشدين وبحاره ومهندسين والمقاومين الميدانيين الذين قدموا الغالي والنفيس بعيداً عن الأضواء. إن ذكر الأسماء هنا هو من باب التوثيق للحظات عشتها شخصياً، لكن المجد الحقيقي هو لكل يد سمراء في الميناء سهرت، وقاومت، وبنت نصر عدن بصمت وبسالة.
خاتمة
ستظل ذكرى الشهيد علي ناصر هادي، وبطولات المقاومه ، ومأساة "دكة الـ T"، وتضحيات "الرجال الزرق" في ميناء عدن، منقوشة في وجدان التاريخ. إنها وثيقة شرف سطرها عمال الميناء بدمائهم وعرقهم، مؤكدين أن عدن عصية على الانكسار ما دام نبض مينائها مستمراً.
#محمدحيدره