أراء ومقالات

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 06:31 م بتوقيت اليمن ،،،

صحيفة 17يوليو/ كتب / م. عثمان عبدالغني



يقول الحكماء.(إذا أردت أن تُخرب بيتاً، فأسند أمره إلى من لا يملك أداة بنائه) وتبدو هذه المقولة اليوم أقرب ما تكون إلى واقع قطاع الكهرباء في مدينتنا حيت لم تعد المشكلة مجرد أعطال فنية أو نقص في الإمكانيات، بل تحولت إلى أزمة إدارة وكفاءة تهدد أحد أهم المرافق الحيوية التي يعتمد عليها المواطن يومياً.

تشير البيانات إلى أن نسبة الفاقد في شبكة الكهرباء كانت في حدود 15% خلال عام 2025، وهي نسبة يمكن الحد منها عبر خطط فنية وإدارية مدروسة. إلا أن هذه النسبة قفزت، وفق الأرقام المتداولة، إلى 46% في يناير 2026، وهو مؤشر خطير يكشف حجم التراجع الذي أصاب الشبكة الكهربائية وقدرتها على تلبية احتياجات المدينة.

ولم يكن هذا التدهور وليد الصدفة وإنما جاء نتيجة تراكمات إدارية وفنية كان من الممكن تفاديها لو وُضعت المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية. فقد توسعت ظاهرة الربط العشوائي للتيار الكهربائي بصورة غير مسبوقة، ما أدى إلى زيادة الاختناقات في الشبكة ورفع الأحمال إلى مستويات تفوق قدرتها التشغيلية. ومع غياب التخطيط السليم أصبحت المحولات وخطوط النقل تعمل تحت ضغط مستمر، حتى وصلت في كثير من الأحيان إلى حافة الانهيار وتكرار الأعطال.

وزاد الوضع تعقيداً انتشار ما يُعرف (الخطوط الساخنة) التي تتمتع بخدمة كهربائية مستمرة على مدار الساعة لصالح بعض الجهات والمؤسسات والمحال التجارية والمعسكرات، في وقت تعاني فيه المدينة من توليد لا يتجاوز 200 ميجاوات، مقابل أحمال تجاوزت 680 ميجاوات. وقد أسهم هذا الخلل في توزيع الطاقة في زيادة ساعات الانقطاع على المواطنين، ورفع معدلات الأعطال الفنية في الشبكة، وإضعاف قدرتها على الاستمرار بكفاءة.

ولا يمكن فصل هذا التدهور عن طبيعة الإدارة التي تتولى قيادة القطاع. فالمرافق الفنية المتخصصة تحتاج إلى قيادات تمتلك الخبرة والمعرفة والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وعندما تُمنح المسؤوليات لغير المؤهلين، يصبح التراجع أمراً متوقعاً، وتتراكم المشكلات حتى تتحول إلى أزمات مزمنة يدفع المواطن ثمنها يومياً.

إن أخطر ما تواجهه مؤسسة الكهرباء غياب الرؤية والمساءلة. فحين تغيب الكفاءة عن مواقع القرار، تتحول الميزانيات إلى أرقام بلا أثر، وتصبح الخطط مجرد أوراق، بينما تتآكل البنية التحتية عاماً بعد عام. وعندما تغيب الرقابة الفاعلة والمحاسبة الجادة، تصبح بيئة العمل مهيأة لانتشار الفساد وسوء الإدارة وإهدار المال العام.

ولا يمكن لأي مؤسسة أن تحقق النجاح إذا كان معيار التعيين هو العلاقات والمصالح بدلاً من الكفاءة والخبرة. فاختيار الشخص المناسب هو أساس الاستقرار والتطوير وحماية المرافق العامة من التراجع والانهيار.

واليوم، المطلوب إجراءات عملية تبدأ بمراجعة شاملة لأداء القطاع، وتقييم القيادات وفق معايير مهنية واضحة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ووضع خطة فنية عاجلة لإعادة تأهيل الشبكة والحد من الفاقد وتحسين كفاءة التوزيع.

وحين ترتفع نسبة الفاقد من 15% إلى 46% خلال فترة وجيزة، وتتسع دائرة الانقطاعات والأعطال، فإن القضية لم تعد مجرد خلل فني عابر، بل أصبحت أزمة إدارة تتطلب مراجعة جادة وإصلاحاً حقيقياً. فالكهرباء ليست خدمة ثانوية يمكن التساهل بشأنها، بل شريان حياة يمس كل بيت ومؤسسة ومرفق. ومن هنا، فإن الإصلاح في هذه المرحلة الحساسة واجب وطني لا يحتمل التأجيل.