صحيفة ١٧ يوليو الإخبارية/ كتب : عبدالرحمن جناح
في لحظات انهيار الدول، لا يختبر التاريخ قوة الجيوش بقدر ما يختبر صلابة رجال الدولة. فالأزمات الكبرى لا تفرز فقط صراعات على السلطة، بل تطرح أيضًا السؤال الأكثر خطورة: هل تنتصر الدولة أم الفوضى؟
وخلال السنوات الماضية، كانت اليمن ساحة مفتوحة لهذا السؤال المصيري. حرب طويلة، مؤسسات منهكة، اقتصاد مثقل بالأعباء، ومشهد سياسي معقد تتداخل فيه الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، ونتيجة الأحداث الواسعة التي شهدتها البلاد، برز فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بوصفه أحد أبرز رجال الدولة الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مهمة شديدة الصعوبة: حماية فكرة الدولة اليمنية من الانهيار.
فلم يكن صعود الرئيس العليمي إلى موقع القيادة حدثًا عابرًا أو نتيجة ظرف سياسي طارئ. فالرجل ينتمي إلى مدرسة الدولة اليمنية التي تشكلت عبر عقود من العمل المؤسسي والسياسي. فقد عرفته الحياة العامة أكاديميًا في بداياته، ثم مسؤولًا أمنيًا، ووزيرًا للداخلية، ووزيرًا للإدارة المحلية، حيث كان آنذاك من أفضل الوزراء منذ ثورة 26 سبتمبر 1962، ومستشارًا عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا لرئيس الجمهورية الأسبق، في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ اليمن الحديث.
وهي تجربة طويلة منحته معرفة دقيقة ببنية الدولة اليمنية وتعقيدات المجتمع وتوازنات القوى السياسية والعسكرية.
هذه الخلفية جعلت منه رجلًا يدرك أن معركة اليمن ليست مجرد مواجهة عسكرية مع جماعة متمردة، بل هي في جوهرها معركة من أجل بقاء الدولة نفسها. فحين تنهار مؤسسات الدولة وتتفتت سلطتها، تتحول البلاد سريعًا إلى ساحة مفتوحة للفوضى والصراعات الإقليمية.
المشروع الحوثي، الذي نشأ في الأصل كتمرد مسلح ثم تحول إلى أداة إقليمية، لم يكن ليستمر لولا انهيار مؤسسات الدولة وتشتت القوى الوطنية. ومن هنا تبدو مهمة الرئيس العليمي أكثر تعقيدًا: إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد الصف الوطني، واستعادة ثقة الداخل، وفي الوقت نفسه تثبيت شراكة استراتيجية مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول التحالف الداعمة لاستقرار اليمن والمنطقة.
لقد أدرك الرئيس العليمي منذ الوهلة الأولى أن استعادة صنعاء لن تكون فقط بمدافع الحرب، بل أيضًا ببناء نموذج دولة قادر على إقناع اليمنيين بأن المستقبل لا يمكن أن يكون تحت حكم المليشيات أو المشاريع الطائفية الضيقة. ولهذا أولى، في خطاباته وتحركاته السياسية، التركيز على فكرة مركزية ثابتة: أن معركة اليمن الحقيقية هي معركة الدولة ضد الفوضى وصراعات التقسيم التي من شأنها إضعاف قدرات الدولة ومؤسساتها.
وعلى الصعيد السياسي، تبرز سمات محددة تقترن بشخصية القائد ورئيس الدولة، وتتطلب حضورًا متقدمًا في من يتولى منصب الرئاسة. ومن أبرز تلك السمات أن قوة القادة لا تُقاس بارتفاع أصواتهم، بل بقدرتهم على إدارة اللحظات التاريخية المعقدة دون أن يفقدوا البوصلة.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات العليمي: الهدوء السياسي الذي يخفي خلفه خبرة طويلة في قراءة موازين القوى، وإدراكًا عميقًا بأن بناء الدولة يحتاج إلى نفس طويل وصبر استراتيجي.
لقد كان المشهد اليمني داخليًا، في مدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، أكثر تعقيدًا، إذ تغلب عليه الانقسامات بين أطراف الشرعية اليمنية. فوجد العليمي نفسه أمام مهمة معقدة: إدارة مرحلة انتقالية في بلد خرج لتوه من سنوات طويلة من الانقسام والتشظي.
غير أن هذه التحديات بدأت تتبدد تدريجيًا أمام جهود الرئيس الواسعة على مختلف المستويات. فمجلس القيادة الرئاسي، الذي تشكل في ظروف استثنائية، يضم قوى سياسية وعسكرية متعددة، لكل منها رؤيتها وحساباتها. وهو ما تطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة السياسية والقدرة على بناء التوازنات دون أن تتحول الاختلافات إلى صراعات تهدد ما تبقى من الدولة، وهي سمة اتسم بها الرئيس العليمي في إدارة هذه المرحلة.
لقد اختار العليمي منذ البداية أسلوب الدولة الهادئة بدل سياسة الضجيج. فالرجل لا يميل إلى الخطابات الشعبوية ولا إلى المغامرات غير المحسوبة، بل يعتمد نهج العمل السياسي المتدرج الذي يضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الآنية.
وقد تبدو هذه المقاربة للبعض بطيئة في زمن الأزمات، لكنها في الواقع تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الدول الخارجة من الحروب. فبناء الدولة بعد سنوات من الصراع لا يتم بقرارات صاخبة، بل عبر مسار طويل من إعادة بناء المؤسسات وترميم الثقة بين القوى السياسية والمجتمع.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد عمل فخامة الرئيس رشاد محمد العليمي على إعادة تقديم اليمن إلى العالم بوصفها دولة تسعى لاستعادة مؤسساتها، لا مجرد ساحة صراع. ففي منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية، خصوصًا في البحر الأحمر وخليج عدن، أصبح استقرار اليمن جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
ومن هنا حملت رسائل الرئيس العليمي إلى المجتمع الدولي فكرة واضحة: أن دعم الدولة اليمنية ليس مجرد دعم لحكومة شرعية، بل استثمار في استقرار منطقة بأكملها. فاليمن التي تستعيد مؤسساتها تمثل عنصر توازن في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
لقد أدركت العواصم المؤثرة في القرار الدولي تدريجيًا أن انهيار الدولة اليمنية لن يبقى أزمة محلية، بل سيتحول إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار في المنطقة. ولهذا أصبح دعم مسار استعادة الدولة اليمنية جزءًا من الحسابات الإقليمية والدولية.
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه اليمن اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، بل في إعادة بناء الدولة نفسها بعد سنوات من الانقسام. وهي مهمة شاقة تتطلب قيادة تمتلك الصبر الاستراتيجي والقدرة على إدارة التحولات الكبرى دون أن تفقد البوصلة الوطنية.
وفي هذا السياق، يبرز فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي بوصفه أحد الوجوه القليلة في المشهد اليمني التي تجمع بين خبرة الدولة وهدوء القيادة، والقدرة على قراءة التحولات الإقليمية والدولية بعين استراتيجية.
فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنجو من أزماتها بالقوة العسكرية وحدها، بل بوجود قيادات تعرف كيف تحافظ على الدولة حتى في أصعب الظروف.
واليمن اليوم، وهي تقف على مفترق طرق بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى قيادة تعيد بناء الثقة بمؤسسات الدولة وتجمع القوى الوطنية حول هدف واحد: استعادة الدولة وإنهاء زمن الانقسامات.
وفي قلب هذه المعركة يقف فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رجل الدولة الذي اختار أن يقود اليمن بعقل السياسة لا بانفعال اللحظة، وبحكمة التجربة لا بضجيج الشعارات.
فبناء الدول لا يتم بالصخب…
بل بالرؤية.
ولا يتحقق بالصراعات…
بل بالتوافق.
ولا يصنعه الانفعال…
بل تصنعه حكمة رجال الدولة.
وفي زمن العواصف التي تضرب المنطقة، يبقى الرهان الحقيقي لليمن على قدرتها على تحويل سنوات الحرب إلى بداية جديدة لدولة أكثر استقرارًا وعدالة.
وهنا تتجلى مهمة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي:
قيادة اليمن في معركة استعادة الدولة…
وحماية مستقبلها من الفوضى.
فالدول قد تمرض، وقد تتعثر، لكنها لا تموت ما دام هناك من يؤمن بفكرتها… ويقاتل من أجل بقائها.
ففي نهاية المطاف، تبقى الدول مرهونة بقدرة قادتها على حماية فكرتها قبل حماية سلطتها.