الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 04:56 م بتوقيت اليمن ،،،
صحيفة 17يوليو/ متابعات
تطوي العاصمة عدن اليوم عقدًا من الانفلات، شهدت فيه قتلًا خارج نطاق القضاء، واعتقالات واحتجازات تعسفية، وانتهاكات وتعذيب حتى الوفاة، وموجات اغتيالات في ظل غياب الأمن والعدالة.
جاء هذا مع التحركات الحكومية الجادة بدعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية؛ لإنهاء تعدد الولاءات والكيانات الموازية التي قوّضت القضاء وأفرغت المنظومة الأمنية من ضوابطها القانونية، وأضرّت بحياة الناس.
وأتى توجيه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، بإغلاق المعتقلات غير القانونية في عدن ولحج والضالع، وإطلاق المحتجزين خارج نطاق القضاء، ليمثّل أول إقرار رسمي بوجود سلطة موازية تمارس الإرهاب والقمع خارج القانون، ويكشف حجم الفجوة التي خلّفها تغييب العدالة وارتهانها لشبكات النفوذ.
فما إن تحررت مدينة عدن من ميليشيات الحوثي في يوليو 2015 حتى غرقت مجددًا في دوامة العنف، إذ بدأت موجة اغتيالات منظمة تحصد أرواح رموز المدينة وأبطالها، بدءًا بقائد معركة التحرير المحافظ اللواء جعفر محمد سعد، مرورًا بنخبة ضباط الأمن والهيئات الرقابية، وصولًا إلى تصفية قيادات المقاومة والوجاهات الاجتماعية.
وتوسّعت رقعة الاستهداف لتجتاح محافظات الضالع ولحج وأبين وشبوة، وصولًا إلى أقصى الشرق. وتشير التقديرات إلى وقوع أكثر من 300 جريمة اغتيال. ورغم وضوح مسار الاتهامات، فإن معظمها قُيّدت ضد مجهول.
وبالتوازي، تصاعدت حملات الاختطاف والإخفاء القسري، وتحولت عدن إلى إقطاعيات أمنية يمتلك فيها كل قائد نافذ سجنه الخاص خارج القانون، تركزت معظمها في التواهي وخور مكسر والمنصورة. ومنها السجون المستحدثة داخل المنازل، وفي المعسكرات (النصر، بدر، الشعب، المشاريع، الجلاء، جبل حديد)، والزنازين في المرافق الحكومية الخاضعة لقيادات أمنية. ومثلها في شبوة وحضرموت كسجن الريان والضبة وغيرها.
ومع توالي هذه الجرائم، اتضح أن «أبوظبي» استغلت مشاركتها في تحرير عدن لإعادة تشكيل المشهد في جنوب وشرق اليمن، بهدف فرض وجود دائم وهيمنة مطلقة على السواحل والجزر والمناطق الحيوية المطلة على البحرين الأحمر والعربي وخليج عدن.
ومن موقعها ضمن تحالف دعم الشرعية عمدت إلى بناء تشكيلات مسلّحة في كل محافظة جنوبية على أساس مناطقي، ووحدتها تحت مظلة «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي أنشأته ودعمته لتبنّي مشروع الانفصال. وعبره أزاحت المكونات الجنوبية الأخرى، وقوضت الشرعية وقاسمتها شرعيتها وسلطتها ومواردها سعيًا لفرض الإنقسام.
ومضت «أبوظبي» بوتيرة عالية في تنفيذ مخطط استئصال كل من يقف أمام مشروعها، من الرموز والقوى الوطنية والمؤسسات السيادية، بالتوازي مع تفكيك منظومة الشرعية وإعادة توظيفها لخدمة توجهاتها.
وفي قلب العملية، تعرضت مؤسسات القضاء والهيئات المساندة لتجريف ممنهج، أتاح لشبكات المصالح التغلغل في مفاصلها، وتحويلها إلى بؤر للفساد والمحسوبية. فبدلًا من أن تقوم بدورها في توثيق الجرائم وملاحقة الجناة، انحرفت لتصبح أداة لشرعنة السلطة الموازية، وغطاءً قانونيًا للاغتيالات والسجون السرية ونهب الموارد.
وتجلى الفساد في ظاهرة الازدواج الوظيفي بين قيادات المنظومة، وفوضى التعيينات التي منحت مئات الدرجات القضائية والمناصب الإدارية لأشخاص يفتقرون للكفاءة، وفي إقصاء الكفاءات من القضاة والمحامين والحقوقيين بسبب موقفهم الرافض لشرعنة الانتهاكات وتبييض الجرائم بملفات منقوصة.
وتقاطعت شبكة النفوذ مع «نادي القضاة الجنوبي» الذي تحوّل إلى أداة سياسية معززة بالتشكيلات المسلّحة لتهيمن على القضاء، وتقود الاضرابات لتعطيل المحاكم والنيابات والتمرّد على القرارات السيادية بقوّة السلاح.
هذا التوظيف السياسي أفقد القضاء هيبته واستقلاله، وحوله إلى واجهة سياسية تشرعن انتهاك الحقوق بعباءة القانون. وما يجري اليوم يؤكد أن تلك التحركات لم تكن حرصًا على القانون، وإنما دفاعًا استباقيًا عن الجريمة.
وبذات النهج، جرى تجريف مؤسسات إنفاذ القانون، وعلى رأسها وزارة الداخلية. ويبرز تصريح نائب وزير الداخلية، عضو الهيئة العليا للانتقالي، في يوليو 2018، كدليل تاريخي على تبييض الجريمة، حينما أنكر وجود السجون السرية. وهو ما دحضته شهادات الناجين والقرارات الرئاسة الأخيرة.
ونتيجة لهذا العبث، أُهدرت حقوق آلاف الضحايا، وتعمّقت معاناة المخفيين قسرًا وذويهم. ومن هنا تأتي أهمية إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي نجاح عملية «استلام المعسكرات»، وتوجيهاته الصريحة بإغلاق المعتقلات غير القانونية، كونها تؤسس لمرحلة جديدة يعلو فيها منطق الدولة والقانون على سطوة العنف والإرهاب.
وما شهدته حضرموت مؤخرًا من إغلاق للمعتقلات غير القانونية، وما كشفته الصور وشهادات الضحايا من فظائع وانتهاكات جسيمة، يوجب استكمال إغلاق بقية المعتقلات، ووضع حد لهذه الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.
والأهم هو تقوية أجهزة الدولة وتوحيد أدواتها لمكافحة الجريمة والإرهاب، فما حدث يوم أمس من استهداف لأحد قيادات ألوية العمالقة ليس سوى محاولة لعرقلة جهود الحكومة لاستعادة كامل صلاحياتها وحضورها، ولا يستبعد أن تكون تحركات استباقية لمنع وصول القانون إلى السجون السرية في عدن ومحيطها.
إن المسؤولية الوطنية تقتضي الاصطفاف خلف قرارات الحكومة ومواقف الأشقاء في المملكة العربية السعودية؛ فاليمن يقف عند مفترق طرق، إما دولة يحكمها القانون، أو فوضى تحمي الجريمة بالقوة. وتبقى الدولة القوية بمؤسساتها، الضامن الحقيقي لمستقبل آمن يحفظ كرامة الجميع، شمالًا وجنوبًا.
الدكتور أحمد الموساي
النائب العام السابق